فؤاد سزگين
39
تاريخ التراث العربي
وهذه المؤلفات شأنها شأن أكثر المؤلفات الأخرى التي وضعت في هذا الدور المتقدم من أدوار العلوم العربية ، قد تفوقت عليها فيما بعد مصنفات أخرى مستوعبة ، ثم أستولى عليها النسيان إلى حد بعيد بوصفها مؤلفات قائمة برأسها . وقد حفظت لنا قطع منها فيما تلا من المؤلفات . ويتضح من ذلك أن هذه التآليف اللغوية المفردة هي تلك الأعمال الموطّئة التي مكّنت من وضع / مصنّفات واسعة في اللغة في القرن الثاني / الثامن مثل « كتاب الجيم » لأبى عمرو الشيباني ، و « كتاب العين » للخليل بن أحمد ، و « كتاب الصفات » للنّضر بن شميل ، وكذلك كتب كبيرة في النوادر . وأثبت ابن النديم بين مؤلفات أولئك الفصحاء التي فصّل ذكرها ( ص 47 ) أكثر من ثلاثين اسما رأى نسخا من كتبهم بخطوط بعض العلماء . أمّا تنبيه ابن النديم في معرض حديثه عن بعض الفصحاء ، كأبى مهدية ( ص 46 ) أو أبى عرار ( ص 44 ) على أنه « لا مصنّف له » ، فلا يمنع من احتمال أن كل ما في الأمر هو أن ابن النديم لم ير له مصنّفا . والنقول التي وردت في مصادرنا تعيننا أيضا على تعيين الزمان الذي عاشت فيه طائفة من الفصحاء . فقد عاش بعضهم في الشطر الأول ، وآخرون غيرهم في الشطر الآخر من القرن الثاني / الثامن ، ومن بعده أيضا . ولا يزال « كتاب الجيم » لأبى عمرو الشيباني إلى الآن هو أقدم المصادر المعروفة لنا ، وفي الوقت نفسه هو أهم ما يصلح منها لإعطائنا فكرة حسنة [ عن دور فصحاء الأعراب ] . ويجوز لنا أن نعد قسما كبيرا من الرواة الذين يربو عددهم على 130 راويا ، مؤلفين لتلك المصادر التي نقل عنها أبو عمرو نقلا مباشرا . وهذا الرأي تؤيده النقول التي أوردتها مصنفات اللغة وكتب النوادر التي وصلت إلينا ، والقطع التي بقيت لنا مما ضاع من مؤلفات هذه الفنون . ومع أن عمل الفصحاء كان قد بدأ في عصر متقدم جدا شأنه في ذلك شأن عمل الرواة الأوائل للشعر العربي القديم وأقدم اللغويين والنحاة ، فإن ما تذكره المصادر عنهم صراحة قليل . وغالبا ما رحل اللغويون إليهم في البادية . ومع هذا يبدو أنهم